جالستها في بيت صديقي، قارب عمرها على الخمسين، ومن يراها يظنها أصغر ، وجهها أبيض، وتبدو عليها صفات الحزن والألم وفقدان الحبيب والخلّ، نظرت إلي وقالت حفظك الله من المكاره، أنا جارة صديقك، وكلّمني عنك كثيرا، ويبدو أنه صادق فيما قال.
فقلت لها ماذا قال صديقي الصدوق الثرثار
أجابت: أخبرني عن صبرك ورضاك بقسمة الله وقدره
أرادت بهذه المحادثة القصيرة، غمز جانب من شخصيتي لا أحب ذكره لا علنا ولا سرا.
فقلت: الحمد لله على كل شيء أعطانيه ربيّ، فالرضا بالقسمة من رب العباد ياخالة مطلوب، وأنا مؤمن أن الله سيحلّ ماتعسر من أموري حياتي وتعقد في يوم قادم.
ابتسمت واسبتشرت، فقالت: إني محدثتك عن دواخلي وأسراري الدفينة، التي خبأتها عن الجميع وأظهرتها أمامك لشعوري بالارتياح، وقد أخبرني صديقك الثرثار كما تحب أن تسميّه عنك كثيرًا
وقبل أن تخرج مكنوناتها السريّة، لفظت دمعة كبيرة من عينها اليمنى، سقطت كأنّها جمرة أحرقت طرف ثوبها
نعم شعرت بتلك الدمعة رأيتها بأمّ عيني، ومسحت دمعتها اليسرى بأكمام ثوبها الريفيّ
وابتلعت ريقها الذي حسبته آخر ريق لها في الحياة
أردت أن أخفف حزنها ، فقلت لها: كلنا مصاب ياخالة.
قالت: بني، أحبهم وأحب مرآهم، لكن باعدت بيننا المسافات وسافروا جميعا، ولم يبق منهم أحد، فالأول في ألمانيا، والثاني في دمشق، والثالث في السودان.
ذهبوا دون عودة، وأخشى أن يحملوني إلى القبر قبل أن أراهم مرّة أخرى، أريد أولادي، وانفجرت بالبكاء
لم أستطع مواساتها فمصيبتها كبيرة، فقلت لها يا خالة، كلّ أهل سوريا حصل لهم ما حصل لك.
فنظرت إليّ، ووجهها مليء بدموع عينيها، كأنّها اغتسلت بالماء للصلاة.
وقالت: بنيّ، نعم كلامك صحيح ، كل أسرة فقدت رجلاً، أو غاب عنها شاب، ولكن مصيبتي أنّ كل أولادي غادروا، وسكنوا في مدن ودول مختلفة.
وأنت لا تعلم خفايا الجمر الملتهب في فؤادي.
أولادي يكلموني ويحدثوني عبر هاتفي بشكل يوميّ، ولكلّ واحد منهم نصف ساعة من وقتي، أخصصها للحديث والحوار معهم، لكن قبل أن أكلمهم وأفتح هاتفي، أبكي لمدة ساعتين، وأحاول أن أظهر لهم أني سعيدة ومسرورة، وأروي لهم تفاصيل يوميّ المملّ، من الصباح حتى المساء، ولكن بعد أن أغلق المكالمة معهم جميعا، أعود للبكاء مرة أخرى.
فخالتك تسكن في بيت كبير مؤلف من غرف واسعة، لكني أخاف البقاء فيه، فهو مسكن بلا سكان، ومأوى بلا جدران، فالبيت بلا صحبة ورفاق وأهل هو قبر وموت.
هل تعلم أني أستيقظ ليلا وأبكي على أولادي، فشعور الوحدة قاتل ومميت، وازداد هذا الشعور بعد موت زوجي رحمه الله تعالى.
للقصة تتمة
اكتشاف المزيد من اقتصاد الأفكار
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رأي واحد حول “المرأة العجوز وجدران البيت القاتلة”