أبو رامي بائع الحكمة ومدّرس الماضي

عرفته رجلا مجتهدًا وقويًا يفتح محل الكعك اللذيذ صباحًا، كلّما مررت في الشارع وجدت البِشر في وجهه، أُلقي السلام عليه وأتابع مسيري، قلت في نفسي لابُدّ من كشف خفايا نفسه، وماضيه السابق، فكتب ذلك بعد عدّة جلسات معه

“الظروف أجبرتني أن أترك التدريس ، وأعمل أجيرًا في محل الكعك عند ابن أختي” بهذه الكلمات يصف عبدالرحمن أبو رامي (44سنة) حزنه على ترك مهنة التعليم التي لازمته مدة خمسة عشر عاما من عمره.

أبو رامي مدرس لغة عربيّة خريج جامعة دمشق لعام 2003 وخريج معهد متوسط للغة العربية في الرقة، أحبّ اللغة العربية ودرسها وعشقها.

يجلس  أبو رامي صاحب  الابتسامة البيضاء التي  تجانس بشرته البيضاء على كرسي بلاستيكيّ كل يوم الساعة السابعة صباحا إلى الساعة العاشرة ليلا في محل الكعك، ينظر يمنة  ويسرة مترقبا حدوث تغيير في حياته، أمامه بسطة من الكعك اللذيذ، يقطع بها ممرّ المشاة، وراءه محل الكعك الذي لا يملك منه سوى مكان جلوسه.

بدأت الأزمة في سورية سنة 2010، فشردت الناس، ودمرت كل شيء جميل، وجعلت أصحاب الشهادات والاختصاصات العلميّة يهجرون مهنهم الأصلية للعمل في مهن لا تناسبهم ، ولا إحصائيات دقيقة إلى الآن أو دراسات تشير إلى عدد الخريجين الذين باتوا يعملون في مجال تصليح السيارات أو بيع الخضار أو مهن أخرى.

يقول أبو رامي بحزن خفيّ ، وألمٍ لا يظهر على وجهه ” لست مسرورا بالعمل كأجير في المحل، لكن أقول الحمد لله ، فأنا لا أستدين من أحد، أشتاق للغرفة الصفيّة وتدريس الطلاب، لكن قدر الله  ما شاء فعل “.

أبو رامي معلم اللغة العربية مع وقف التنفيذ كما يحبّ أن يسمّي نفسه ، يعرفه أهل الرقة، فهو يساعد كل من يقف أمام محله، ويسأله إذا كان يحتاج لشيء أو شرب كأس ماء بارد من محله.

أبو علي من ريف الرقة (30) عاما زبون دائم عند أبو رامي ، يقول :”أحب الشراء من عند أبي رامي فهو لا يبيعني الكعك فقط ، فالتفاؤل والابتسامة والقصة النادرة والحكمة المؤثرة لا تجدها إلا عند أبو رامي الرجل الطيب”..

يحلم أبو رامي بمدرسة جميلة وطلاب مجتهدين يشبعون رغبته في حبّ التدريس

” سأدرسُ اللغة العربيّة من جديد، ولكن بطريقتي الخاصة، وبدون مناهج ثقيلة وامتحانات مملة، سأعود سأعود” هذا كلّ ما يتمناه أبو رامي..

……………..

Photo by June Andrei George on Unsplash

…………..


اكتشاف المزيد من اقتصاد الأفكار

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رأي واحد حول “أبو رامي بائع الحكمة ومدّرس الماضي

اترك رد