غادرنا في الرابع من شهر مايو لعام ألفين وأربعة وعشرين أحد أعمدة الشعر المعاصر وأبرز شعراء المملكة العربية السعودية، الشاعر الكبير بدر بن عبد المحسن، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا خالدًا سيظل شاهدًا على عبقريته الشعرية الفذة، رحل مهندس الكلمات عن عالمنا إلّا أنّ أشعاره ستبقى راسخة في وجدان كلّ مُحبّ للشعر العربيّ عامة والشعر النبطيّ خاصة.
وُلِد بدر في مدينة الرياض عام 1949، في بيت علم وأدب، جالس العلماء والأدباء والشعراء صغيرا، أحبّ الشعر شابا، وقاله في مراحل زمنية من تكوينه العمريّ، تنقلّ بين مصر والمملكة العربية السعودية، وبريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكيّة، ليرسم بقلمه البليغ، أبهى اللوحات الشعرية في الفخر والرثاء والغزل مستوحيًا إلهامه من بيئته وحضارة أجداده، ذاع صيتُ شعره في الوطن العربي بأكمله، حيث ترنّم بكلماته مغنّون من مصر والعراق والإمارات العربية المتحدة.
أنشأ مجالس للشعر والأدب، واستقبل الشعراء ومنحهم من وقته، وأسس مكاتب منزليّة حيثما حلّ وارتحل، كان الكتاب صديقه، والشعر خليله، ترى السرور يملأ مكان نزوله، والحزن مكان ارتحاله، كُرّم في مناسبات عدّة، ونال أوسمة كثيرة، ولقبّه الناس بمهندس الكلمات، واعتبره آخرون بأنه رائد من رواد الحداثة العربيّة.

تحمل قصائده الغزلية نفسا مثقلة بالحب الصافي واللفظ الصادق، والحنين للماضي الذي يريد التمسك به دون جدوى، فيهرب منه، فيداوي جراح عشقه بالطبيعة الصحراوية الطاهرة من دنس الحياة المدنيّة، فيقول شاعرنا في إحدى قصائده عن الحبيبة، وقد تكون حبيبته في هذا النص أمه أو وطنه:
ومرت سنه .. على فراقك
على صوتك .. واشواقك
غريب كيف الزمن يرحل
واحلام العمر .. تذبل ..
سنه مرت .. وانا أول ..
حبيبٍ يوقد الشمعه
لجرحه في يوم ميلاده
هلا .. بالحب .. واعياده
وكل عامٍ .. وجرحي بخير
مشيت دروبنا .. خطاوي قلوبنا
ومريت الوعد .. وعدنا العام
ماكان الوعد .. ولا الأيام .. هي الايام
وما ادري ليه هالشارع .. نسوه الناس
ومتى هالمقعد الخالي .. يجوه الناس
حبيبي .. ليه فـ غيابك .. يغيبوا الناس
حبيبي .. ايه والله حبيبي .. ايه والله
نساني العمر.. لو انساه
نساني الفرح .. لو انساه
احبه .. ما ظهر نجم .. ونبت عشب .. وسرى براق
أحبه .. لا زمن يشقي جروحي .. لا جفا .. وفراق
أنا هذا الهوى كله .. وقلبي آخر العشاق
نلحظ في نصه أنّ أنفة العربيّ بادية من خلال تسمية نصه، جرحي بخير، فهو يتألم لكن هذا الألم خير، ومرور الأيام والسنوات لم تضعف الشاعر، بل قوّت من عزيمته، ليعاود تأكيد أنّ “جرحي بخير”، يكثر الشاعر من ألفاظ الزمان في نصه ” الزمن، سنة، العمر، يوم، عام، الأيام” وهذا يدل دلالة واضحة أن الزمن فرّقه عن أحبته، ولكن قلبه ضد الكسر، يداوي الشاعر جراحه من خلال النجم في السماء” ماظهر نجم”، و بالنباتات الخضراء” ونبت عشب”
والقارئ لشعر بدر يجد أنّ الشاعر حافظ على ألفاظ بيئته، فقد أراد المحافظة على الهوية والشخصية التراثية الثقافية التي تتميز بها مدن المملكة العربيّة السعوديّة، ونحن في وقتنا الحالي بحاجة إلى التأكيد على تراثنا الشعبي في ظل الهيمنة الغربية على الثقافة العربيّة، وابتعاد الأجيال عن تراثهم وإرثهم التليد.
تَعلُّق الشاعر بالطبيعة يبدو جليا تقريبا في قصائده الشعريّة، فلا تجد نصا لبدر الدين إلا والطبيعة البدويّة مقرونة بأغراضه الشعريّة، وقالوا قديما” الشاعر ابن بيئته” مهما ابتعد عن وطنه ومكان ولادته يبقى الحنين للأيام الخوالي التي لو استطاع أن يشتريها بكلّ ماله لفعل، لكن هيهات أن يعود السهم إن نفذ، والكلمة إن قيلت، والوقت إن انتهى، شاعرنا لم تغريه مباهج الحياة الفانية، وتألّم لتلك المحبوبة التي كما قلنا قد تكون متخيّلة أو حقيقية، والتي تعرض عنه، فيطلب منها أن تعطف عليه فهو المسكين الطفل الصغير الباحث عن عطف وحنان، فيقول:
استبد..استبد احيان
استمد كل هذا الظلم من ألمي
اتحد من راسي .. لقدمي
واضرب بعواصفي وبزلزالي
واهّدم الناس .. واهدّم بحالي
لين استرد بعض اثيابي من الريح
ولحمي من الشوك..
وابتعد..ابتعد
واحيان ما املك العواصف .. ولا الزلزال
ولا حتى .. فـ الهجير .. ظلال
لكن استبد..استبد باللي عندي
اضرب بيدي فـ الهوى..بجبيني فـ الصخر
لين اتعب ..اتعب..وانهمد
مثل طفل اضناه البكا.. والسهر
وانتي آخر ماأعد في عمري
واجمل ما أعد
اعشقي ظلم الغصون الخضر للحطاب
والجلد للأنياب..والجفن للسكين
اعشقي هالظالم المسكين…
واتركيني انصهر في الشمس
والا ارتعد في البرد
لكن استبد..واسترد اثيابي من الريح
ولحمي من الشوك
وابتعد .. ابتعد
النص مؤلف كما نلحظ من قسمين، الأول: وصف للطبيعة من رياح وعواصف وزلازل وشوك وظلال والهجير، والقسم الثاني: رجاء الوصل بالمحبوبة، يملأ نص الشاعر ذكر الطبيعة من أوله إلى أخره، فالطبيعة في هذه المرة خذلته وأخذت ثيابه، وهدمت نفسه، وغرزت الشوك في جسده، والبعد النفسي والروحي في نص شاعرنا يجعلك تعيش معه الألم والوحدة، وقد تبكي لحاله، ومن يصغي للنص السابق يشعر بإيقاع مخيف” الجلد للأنياب، والجفن للسكين”، وهذا التشبيه المجازي يضعك في إطار الرهبة والخوف والتعاطف مع الشاعر المحتاج للحنان والعشق من محبوبته
وختامًا نجد أنّ قصائد بدر بن عبد المحسن المنشورة تضمّ ألفاظ وتراكيب يحتاجها النشء السعودي، وكل محبّ للشعر النبطي، فقد استطاع شاعرنا إيجاز الكثير من المعاني الطويلة بألفاظ قليلة موجزة، وألبس معانيه ثوبا فقدته من زمن بعيد، ولن نقارن شاعرنا بغيره من الشعراء، فالشعراء وإن اتفقوا في الألفاظ لكن يختلفوا فكل واحد يُلبِس معانيه وأفكاره أثوابا فاخرة مستمدة من ماضيه وحاضره، وبيئته الرقيقة العذبة النقية من مباهج الحياة الزائفة.
اكتشاف المزيد من اقتصاد الأفكار
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.