قفزَ من بين الكتب، وأمسك بتلابيب ثوبي، وقال لمَ كلّ هذا الهجران والبعد، توجست منه خيفة،
صرخت: من المتكلم؟
😃قال: أنا جبران خليل جبران، صديقك القديم، ومؤنس وحدتك وغربتك، ألا تذكر كم كنت تكتب من عباراتي الجميلة على دفترك
قلت: يا جبران، تلك أيام مرّت بمرّها وحلوها، واكتشفت أنّك رجل حالم، ولاتنتمي إليّ.
أجبني بسرعة ودون تفصيل، ماذا تريد، علّي أجيب طلبك.
هزّ جبران رأسه، وقال: أريد أن تجري معي مقابلة، كالتي تجرونه مع المشاهير والنجوم.
قلت: إنّي مجيب طلبك، لكن لا تطيل الحديث، فالناس في زمننا، يحبون الإيجاز والاختصار، وأكل الطعام وقوفا، وفي السيارات
🪑اجلس يا جبران، وأجب عن أسئلتي، ولنبدأ
من أنت، وماذا درست؟
سؤال صعب، سأجيب عنه مرتين
الأولى: أنا مسيحيّ ولي فخر بذلك، لكنّني أهوى النبيّ الكريم، وأكبّر اسمه وأحبّ مجد الإسلام وأخشى زواله، وأنا أجلّ القرآن لكنّني أزدري من يتخذ القرآن وسيلة لإحباط مساعي المسلمين، وأمتهن الذين يتخذون الإنجيل وسيلة للتحكم في رقاب المسيحيين.
الجواب الثاني:
أنا جبران خليل جبران، وُلِدت في لبنان، قرية بشِرّي في السادس من كانون الثاني عام ثلاثة وثمانين وثمانمئة وألف من أمّي لبنانيّة، وأبي سوريّ الأصل.
لماذا اخترت مجال الكتابة، ولم تختر مهنة أخرى؟
لم اختر الكتابة، أنا أحبّ الرسم والموسيقى، وأمّي كانت ترى فيّ رساماً، ولاحظت ذلك وأعطتني ألبوم صور للفنان ليورناردو دفنشي في صغري.
شجعتني معلمتي في مدرسة كينسي في ولاية بوسطن على قراءة القصص بعد أن لاحظت ميولي نحو الكتب الأدبيّة.

متى بدأ نشاطك الأدبي؟
بدأ نشاطي الأدبي عام 1900، مع صديقي يوسف حويك، أصدرنا مجلة عنوانها” المنارة”، ونشرت فيها نصوصي مع رسومات
💕من هي الأمّ ياجبران؟
إنّ أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة « الأم » ، وأجمل مناداة هي : يا أمي ، كلمة صغيرة كبيرة مملوءة بالأمل والحب والانعطاف ، وكل ما في القلب البشري من الرقة والحلاوة والعذوبة . الأمّ هي كل شيء في هذه الحياة ، هي التعزية في الحزن ، والرجاء في اليأس ، والقوة في الضعف، هي ينبوع الحنو والرأفة والشفقة والغفران ، فالذي يفقد أمه يفقد صدرًا يسند إليه رأسه ويدًا تباركه وعينًا تحرسه …
ما أجمل كلامك يا جبران، وأرقّ حروفك، لن أجاريك في الحديث، سأسألك سؤالا آخر.
😍حدثني عن الحبّ يا جبران؟
الحبّ سمّ قتال تتنفسه الأفاعي السوداء المتقلّبة في كهوف الجحيم، فيسيل منتشر في الفضاء، ثمّ يهبط مغلّفا بقطرات الندى، فترشفه الأرواح الظامئة.
غريب أمرك ياجبران، ألست القائل:
الحبّ شعاع سحريّ ينبثق من أعماق الذات الحساسة، وينير جنباتها، فترى العالم موكباً سائراً في مروج خضراء والحياة جميلاً منتصباُ بين اليقظة واليقظة.
💑ما هو الزواج يا صديقي؟
الزيجة تجارة مضحكة مبكية، يتولّى أمورها الفتيان وآباء الصبايا، الفتيان يربحون في أكثر المواطن والآباء يخسرون دائما، أمّا الصبايا المتنقلات كالسلع من منزل إلى آخر، فتزول بهجتهنّ.
لم يعجبني كلامك يا عزيزي جبران، ماذا تريد من الآباء أن يبقوا البنات في البيوت، ويصلنا إلى مرحلة العنوسة، أنا متأكد أنّك لست صادقا في كلامك
💰حدّثني عن المال، وهل تحبّه؟
المال كالأرغن يُسمع من لا يُحسن الضرب عليه أنغاماً لا ترضيه، المال كالحبّ يميت من يضنّ(يبخل) به، ويحيي واهبه
المال يطمس عين نفسي ويقودها إلى مغاور الجهل، ولم أدرِ أنّ ما يحسبه الناس مجداًَ، كان- واحر قلباه- جحيماً.
المال جميل يا جبران لكن بشرط ألاّ تكون عبداً له، أن تجعل المال في يدك، هي إحدى منجيات الإنسان من زوال ماله، واعلم أنّ المال مجدٌ وكرامة في أيدي الكرماء، والمال ذلّ وهوان في أيدي الأنذال.
والمال ليس كالحبّ، فأنت لا تحبّ المال لذاته، لكنك تحبّه لأنّه مطيّة لنفعك، وتسير أمورك، لكن حذارٍ أن يجعلك المال عبدا له، فإن حدث ذلك، فقد صيّرك وحشاً كاسراً، يطحن هذا، ويكذب على هذا، لأجل دريهمات زائلة.

🥺ما هو الفقر والشقاء بالنسبة لك؟
يامن وُلدت على مهد الشقاء، ورُبيت على أحضان الذلّ وشببت في منازل الاستبداد….
ياأيّها الجندي المحكوم عليه من شرائع البشر بأن يترك رفيقته وصغاره ويذهب إلى ساحة الموت من أجل طمع يدعونه الواجب
يا أيها الشاعر الذي يعيش غريبا في وطنه مجهولا بين معارفه
يا أيّها السجين المطروح في الظلمة من أجل ذنب صغير جسّمه غيّ الذين يقابلون الشرّ بالشرّ
أتكلمني يا جبران؟
أن وُلدت حرّا لكن قيّدوني وجعلوني طائراً أسيراً، أشربوني الماء علقماُ ممزوجاً بالحسرات
ولست جندياً محكوما عليه بترك حبيبته ليحارب عن عرش الكراسي، اذهب أنت ياجبران، أنا لن أذهب، فأمّي وأبي إن غبت يوما، قلبوا القرى والحارات عليّ بحثا.
💡ماهي الفكرة بالنسبة لك؟
“كل شيء عظيم وجميل في هذا العالم يتولَّد من فكر واحد أو من حاسة واحدة في داخل الإنسان . كل ما نراه اليوم من أعمال الأجيال الغابرة كان قبل ظهوره فكرًا خفيًّا في عاقلة رجل أو عاطفة لطيفة في صدر امرأة … الثورات الهائلة التي أجرت الدماء كالسواقي وجعلت الحرية تُعبد كالآلهة كانت فكرًا خياليًّا مرتعشًا بين تلافيف دماغ رجل فرد عائش بين ألوف من الرجال.
🌍 من هي الأمّة؟
الأمّة مجموع أفراد متبايني الأخلاق والمشارب والآراء تضمّهم رابطة معنويّة أقوى من الآخلاق وأعمق من المشارب، وأعمّ من الآراء.
📖ما هو مستقبل اللغة العربيّة؟
اللغة مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمّة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللّغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر وفي التقهقر الموت والاندثار، إذا مستقبل اللغة العربيّة على مستقبل الفكر المبدع الكائن في مجموع الأمم التي تتكلم اللغة العربيّة.
🚀هل تتغلب اللغة العربيّة على اللهجات العاميّة؟
اللهجات تتحوّر وتتهذب ويُدلك الخشن فيها، فيلين، ولكنّها لا تغلب ولن تغلب، لأنّها مصدر ما ندعوه فصيحاً من الكلام، ومنبت ما نعدّه بليغاً من البيان.
📝ماهي خير الوسائل لإحياء اللغة العربيّة؟
خير الوسائل لإحياء اللغة هو الشاعر، والشاعر هنا كل مخترع كان كبيرا أو صغيرا، وكل مكتشف كان أو ضعيفا، فالشاعر هو الوسيط بين قوة الابتكار والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، الشاعر أبو اللغة وأمّها.
👋 وختاما، أشكرك يا جبران على كلّ إجاباتك، وأعتذر إن خالفتك في بعض الأمور، فهذه سُنة الحياة، وتقلبات الزمان، فأنت كنت تعيش في زمن غير زمننا، وتلتقي بأناس مضوا بين مغاور التراب.
اكتشاف المزيد من اقتصاد الأفكار
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رأي واحد حول “جبران خليل جبران يسلّم عليكم، ويقول: اللغة العربيّة باقيّة وتتمدد🌱”