أستيقظ صباحا ولا اسمع صوتا، الكل نائم والجو لطيف منعش، ألبس حذائي الرياضيّ وأنطلق إلى الأراضي الزراعية، راكضا وباحثا عن هواء الصباح النقي من كل شائبة.
تتحرك كرشي يمنة ويسرة، لا بل قل علوا وانخفاضا.
يا رجل: لا يوجد كرش تتحرك يمينا ويسارا.
المهم أعود من درس الرياضة القصير زمنا، واستحم بماء الفرات، ثم افتح حاسوبي
لأبدأ العمل، عادتي مع متصفح بريف، أني أغلق جميع نوافذه المنبثقة إلا ثلاث نوافذ:
الأولى مدونة ممدوح نجم.
الثانية: مدونة يونس بن عمارة.
الثالثة: أتحفظ على ذكر اسم صاحبها.
عندي ورد شبه يومي أن أقرأ مقالة أو اثنين من مدونة أستاذنا يونس بن عمارة.
كلّ مرّة أجد شيئا جديدا في مدونة الأستاذ، وشخصيا، أحبّ المقالات القديمة، ولكن هذا لا يعني أنّ المقالات الجديدة غير جيدة.
أحالتني إحدى المقالات للأستاذ الأديب أحمد عبدالمحسن العساف، فصارت مدونته رابعة النوافذ عندي.
وجدت في مدونته حديثا عن كتاب فن الكتابة تعاليم الشعراء الصينيين
ضحكت في بداية الأمر وهل أهل الصين يكتبون الشعر مثل العرب 🙃
وعندهم اوزان شعرية مثلنا.
راق لي الأمر فهرولت مسرعاً لتحميل الكتاب فوجدته منشورا مجانا.
أشرت للكتاب في نشرتي الأسبوعيّة كتاب أزرق الرباعيّة العدد 34
وبعد ذلك طلب مني الأستاذ يونس، الحديث عن الكتاب في حصة الجمعة في مجتمع رديف الرقميّ، فكان ذلك.
هوية تعريفية بالكتاب
فن الكتابة: تعاليم الشعراء الصينيين
اسم المؤلفان: لو – جي “261 – 303” وسيكونغ تو “837 – 908
اسم المترجم: عابد إسماعيل
صدر الكتاب عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون بطلب من جريدة السفير اللبنانية التي يرأسها طلال سلمان تأسست عام 1974 تقريباً حملت عدة شعارات كان آخرها، صوت الذين للصوت لهم.
الجريدة كانت تنشر بشكل دوري كتب مختصرة موجزة مجانية حتى عام 2010 ولم أرى لها كتبا بعد ذلك، وقد تكون معلومة خاطئة.
ترجم الكتاب الدكتور عابد إسماعيل من سوريا مدينة اللاذقية الساحلية ويسكن الان في أمريكا
وهو شاعر وأديب ومترجم
أُجري معه لقاء صحفي حمل عنوان
أسوأ الترجمات تلك التي تتقيد بالمعنى القاموسي
ومن الكلام الذي أعجبني في لقاءه بعض العبارات أنقلها لكم كما هي:
يجب على المترجم أن يكون في أقصى درجات اليقظة والحذر، كي لا يضيع عليه، أو منه، خيط واحد من خيوط الدلالة المتشابكة، المبثوثة في ثنايا النص
قد تصحّ استعارة القبلة الزجاجية في توصيف الترجمات الرديئة للشعر، وهنا ينبغي أن نلوم المترجم، وليس الشعر
يهمنا من الكلام السابق أن مترجم كتابنا مدرك لما ينقله لنا بكل أمانة وحرفيّة.
ماذا يوجد في “فن الكتابة تعاليم الشعراء الصينيين
يحتوي الكتاب على تنظير لفن الكتابة الشعرية لصينيين، وتحديد نقاط القوة والضعف في الأعمال الشعرية الصينية الكلاسيكية.
الكتاب رسالة للشعراء لطريقة استخراج الكلمات من الداخل الخيال إلى مرحلة توليد الكلمات الإبداع
أي مرحلة الإبداع الفني التي تسير وفق القوى التاوية العظيمة فهناك استحضار بحسب الكتاب للماضي الفضاء الجواني وصولا للفضاء البراني الخارجي.
مصطلحات مهمة قبل الولوج للكتاب
- الكونفوشية
مذهب فكري روحي صيني تقوم على عبادة إله السماء أو الإله الأعظم، وتقديس الملائكة، وعبادة أرواح الآباء والأجداد وتزرع في الفرد الصيني قيم التضحية والوفاء والإخلاص وغيرها.
مر عليه أكثر من ٢٥ قرنا، ومازال أهل الصين يعتنقون هذا المذهب.
- التاوية أو الطاوية
مذهب فكري فلسفي روحي وتاو تعني الطريق باللغة الصينية تستلزم العودة إلى الحياة الطبيعية مع ضرورة الإيمان بوحدة الوجود؛ إذ الخالق والمخلوق شيء واحد. حررت أهل الصين من الالتزامات الاجتماعية ونادت بالطبيعة والحياة العفوية وهذا جعل الشعراء لأنهم يعتنقونه لأنه فيه مساحات للتعبير الحرة عن الذات.
تأثر مؤلفا الكتاب بالمذهبين كثيرا وذكرهما في الكتاب.
أقسام الكتاب
فن الكتابة استهلال
24 أسلوبا للشعراء
لمع من لآلئ الشعراء
قصص وأقوال مأثورة عن الأدب
هي أربعة أقسام رئيسية
القسم الأول فن الكتابة لو جي
فقد وضع على عاتقه مهمة “التعليق على الأعمال الكلاسيكية الأنيقة، والتطرق الى الكيفية التي تجد نقاط الضعف والقوة طريقها الى كتابتنا” بل ويفعل أكثر من ذلك بكثير. ان قيمته موزعة بالتساوي بين تقديمه فكرا نقديا وبين كونه أثرا أدبيا خالصا.
أخذت الجمل من مدونة الأستاذ أحمد بن عبد المحسن العساف – حفظه الله تعالى- وأضفت بعض الجمل عند الحاجة للشرح.
من أهم الأفكار الواردة في الباب الأول
1- من أجل أن تثري نفسك: اقرأ الأعمال الكلاسيكية، ثم ضع الكتاب جانبا، ودع كلماتك تنسكب من قلمك.
2-اغلق عينيك، وابحث في كل مكان، وتجاوز حدود الأرض؛ وحينها تتجمهر حولك الأفكار وتشعل الصور صوراً أخرى، لتحصد إبداعاً كان مهملا.
3- الكتابة متعة، لذا يمتهنها المفكرون؛ فالكاتب يبتكر حياة جديدة في الفراغ، وينقر على الصمت ليصنع صوتا، وتلد كلماته كلمات أخرى، وتثير أفكاره أفكاراً أعمق.
4- كل الأجناس الأدبية تصر على الكاتب أن يعرض رأيه دون استخدام كلمة لا طائل منها.
5- أحياناً تكون الفكرة جيدة لكن الكلمات تخونها، وقد تكون الكلمات جميلة بلا معنى!
- إياك أن تكون كتابتك شبكة مورقة من الأفكار التي تتداخل فتحجب الموضوع.
- الكلمة الجميلة تفسد إذا اقترنت بأخرى قبيحة.
- استنهض الأعمال العظيمة للمعلمين القدامى.
- عقدة الكاتب أن تسافر الإرادة عندما تكون العواطف الست راكدة ( هي: الحزن، الفرح، الحب، الكره، المتعة، الغضب) وأحياناً تضاف (الرغبة) كعاطفة سابعة.
- لا يمكن حجز الأدب الذي يسافر عبر الفضاء ويجدف عبر السنين للقاء بشر سيأتون، فقد ينقذ حكومات، أو يمنح صوتاً للفضيلة المحتضرة، ويروي القلب، فالكلمة كل يوم تكون جديدة.
الباب الثاني وفيه أربعة وعشرون أسلوبا للشعر
فيه جملة من العناصر التي يستغلها الشاعر هي كتابة الأدب ويراها داخلية خفية لا يمكن تفسيرها
من هذه العناصر
1- على الأدباء أن يكملوا ذواتهم داخلياً من أجل أن يحققوا الكمال في كتاباتهم.
2- بعد سطر واحد جيد توقف! لأن الإسهاب يخرجك عن نطاق الموضوع، فالسطر الجيد يوقفك كنهر عظيم يعترضك وتتردد أصداؤه عميقاً في داخلك
3- ليكون أسلوبك طبيعيا: انحنِ والتقطه من داخلك وليس من جيرانك
4-استخدم كلاماً مباشرا، واذهب حيث يقودك مزاجك، فربما تعثر صدفة عى مشاهد لم تكن ضمن خطتك
5-إذا أردت أن تصف شيئاً فركز، وقلِّب الصور جيدا
6- كل حياة ستنتهي بالموت، لكن بقاء الأشياء منذ القدم مرهون بالجريان، فابحث لعملك عن سر البقاء والخلود ما أمكن
الباب الثالث لمع من لآلئ الشعراء
أقوال مأثورة لمبدعين وحكماء وقصص طريقة عن الشعراء والشعر تعليقات مكثفة موجزعن الكتابة
منه
- لكي يستمر عملك عبر الأجيال يجب أن يكون لك أسلوبك المتميز. سونغ زيجينغ
- التابو الأول في الكتابة أن تمشي خلف الآخرين، لأنك إذا تبعت أحدهم فسوف تظل دائما في الخلف.
- قبل أن تكتب امتلك فكرة عامة.
- إذا ظننت أن قصيدتك هي الكلمة الأخيرة في الموضوع فهذا يعني أنك لست شاعرا
- قد لا يكون العمل رديئاً وإنما مشكلته في الإسهاب.
- هناك من يسرق الكلمات، وبعضهم يسرق الفكرة، أما الصنف الثالث فيسرق ولا يترك أثرا
- سر الكتابة يكمن في مزيد من الكتابة ومزيد مزيد من القراءة.
- بالمواظبة على الكتابة ستكتشف الأخطاء والعيوب في عملك، ولا تنتظر من الآخرين أن يخبروك عنها.
الباب الرابع قصص وأقوال مأثورة عن الأدب
أقوال وقصص شعرية وملاحظات عفوية مختصرة موجزة تأخذ طابع المذكرات اليومية صالحة للاستهلاك اليومي فالناظر فيها يراه قصصا وشعرا
فهي قصة شعرية فيها توجيهات عن الكتابة وفنونها
ويرى أهل الصين أن الشعر تنين والشعراء صيادون يعرفون كيف يطاردون التنين بطرق مختلفة.
1-إذا وصفت موضوعاً صعباً فاجعل القارئ يراه
2-إذا حصرت نفسك بما تراه فقط فلن تحصد سوى كلمات التأنيب
3-قصائد باي جوي واضحة لأنه اعتاد أن يتلو قصائده على مسامع امرأة فلاحة عجوز ويغير أي بيت لا تفهمه! وقد قرأت أن الناشر صروف كان يعرض المقالات الواردة إلى مجلته على ابنته ذات الستة عشر ربيعا، ويُعرِض عن نشر مالم تستوعبه!
4-إذا استطعت أن تكتب عن مشاهد حقيقية، وأشياء وعواطف حقيقية، فأنت تمتلك الوعي العميق.
الخلاصة، الكتاب فيه فوائد
- الكتاب الصينيون جعلوا آراءهم عن الأدب ذكية ومكثفة، ساحرة وعميقة، روحية
- القصائد التي تعلم وتشرح بشكل جميل حرفة كتابة الشعر، بحيث بات ينظر اليها كأعمال عظيمة لمبدعيها
- يقدم الكتاب نفسه بهذا التقديم: على نقيض التقليد الغربي في فن الشعر (sporin)، الذي يتصف عادة بالصرامة والجدية، فإن الكتاب الصينيين، الذين لا يقلون حرفية أكاديمية.
-فإن الصينيين يعزون إلى الشعر قوى خارقة، فهو ” يقوّم الخطأ، ويحرك السماء والارض، والأرواح الإلهية. - الكتاب الصينيين أعطونا شروح النثرية الفطنة والمرحة والأقوال البليغة والعميقة المتعلقة بفن الكتابة، فالنصوص القصيرة الواردة في هذا الكتاب والتي لا يتجاوز بعضها بضع جمل تستلهم التكثيف الموحي للقصيدة الصينية القديمة
قبل الوداع
في عام ٢٠٠٠
فز الكاتب الصيني غاو شينغجيان بجائزة نوبل في الآداب عن روايته “جبل الروح”، ليصبح أول كاتب صيني يحصل عليها، فقد وصفت روايته أنها ” عبارة عن تحفة أدبية نادرة لا مثيل لها”.
رواية ضخمة تقع في 798 صفحة موزعة على 81 فصلاً.
تصف الرواية رحلة بطلها الغامض للبحث عن “جبل الروح” الأسطوري في الصين.
تتخلل الرواية وصفاً مفصلاً للثقافة والحضارة والشعوب والقبائل والأديان والعادات والتقاليد الصينية القديمة.
تمزج بين الواقع والخيال والأساطير، وتنتقل بين أساليب سردية متنوعة تخاطب القارئ بصيغ مختلفة.
ترصد الرواية تحول بطلها من شخص مريض يستسلم للمرض إلى إنسان يعيد اكتشاف ذاته وعالمه الداخلي خلال رحلته.
تعكس الرواية تاريخ الصين وحضاراتها المتعددة عبر حكايات شعبية وأساطير وقصص سحرية.
اكتشاف المزيد من اقتصاد الأفكار
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
رأي واحد حول “فن الكتابة تعاليم الشعراء الصينيين وأسرار قديمة”